الشنقيطي

11

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الهدهد مقررا له : فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( 22 ) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ [ النمل : 22 - 23 ] الآية - . ومثال الإجمال بسبب الإبهام في صلة موصول قوله تعالى : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [ المائدة : 1 ] فقد أبهم هنا هذا المتلو عليهم الذي هو صلة الموصول ولكنه بينه بقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [ المائدة : 3 ] الآية - . ومن أمثلته قوله تعالى : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [ الفاتحة : 7 ] فإنه أبهم هنا هؤلاء الذين أنعم عليهم ، ولكنه بين المراد بهم بقوله : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( 69 ) [ النساء : 69 ] . ومن أمثلته قوله تعالى : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [ الأحزاب : 37 ] فإنه هنا أبهم هذا الذي أخفاه صلّى اللّه عليه وسلم في نفسه وأبداه اللّه ، ولكنه أشار إلى أن المراد به زواجه زينب بنت جحش حيث أوحى إليه ذلك وهي في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة ، لأن زواجه إياها هو الذي أبداه اللّه بقوله : أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها [ الأحزاب : 37 ] ، وهذا هو التحقيق في معنى الآية الذي دل عليه القرآن ، وهو اللائق بجنابه صلّى اللّه عليه وسلم ، وبه تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين من أن ما أخفاه في نفسه صلّى اللّه عليه وسلم وأبداه اللّه وقوع زينب في قلبه ومحبته لها وهي تحت زيد ، وأنها سمعته قال : « سبحان مقلّب القلوب » « 1 » إلى آخر القصة ، فإنه كله لا صحة له ، والدليل عليه أن اللّه لم يبد من ذلك شيئا مع أنه صرح بأنه مبدي ما أخفاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وسترى إن شاء اللّه تحقيق المقام في هذه المسألة في سورة الأحزاب ، ومثال الإبهام في معنى حرف قوله تعالى : أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ [ البقرة : 254 ] فإن لفظة من فيه للتبعيض ولكن هذا البعض المدلول عليه بحرف التبعيض المأمور بإنفاقه مبهم هنا ، وقد بينه تعالى بقوله : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [ البقرة : 219 ] الآية - والعفو الزائد على الحاجة الضرورية - وسترى إيضاحه في أول سورة البقرة إن شاء اللّه تعالى . ومن أنواع البيان في هذا الكتاب المبارك بيان الإجمال الواقع بسبب احتمال في مفسر الضمير وهو كثير ، ومن أمثلته قوله تعالى في سورة العاديات : وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ( 7 ) [ العاديات : 7 ] فإن الضمير يحتمل أن يكون عائدا إلى الإنسان ، وأن يكون عائدا إلى رب الإنسان المذكور في قوله : إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ( 6 ) [ العاديات : 6 ] ولكن النظم الكريم يدل على عوده إلى الإنسان وإن كان كان هو الأول في اللفظ بدليل قوله بعده : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ( 8 ) [ العاديات : 8 ] فإنه للإنسان بلا نزاع ، وتفريق الضمائر بجعل الأول للرب والثاني للإنسان لا يليق بالنظم الكريم . ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يذكر شيء في موضع ثم يقع

--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن ، للقرطبي 14 / 190 .